القرطبي

259

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الرابعة : وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرق متاع ( 1 ) الرجل الذي أخذ الشملة ، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات ( 2 ) الذي ترك الصلاة عليه ، ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم ، ولو فعله لنقل ذلك في الحديث . وأما ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه ) . فرواه أبو داود والترمذي من حديث صالح بن محمد بن زائدة ، وهو ضعيف لا يحتج به . قال الترمذي : سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال : إنما روى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث . وروى أبو داود أيضا عنه قال : غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز ، فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق ، وطيف به ولم يعطه سهمه . قال أبو داود : وهذا أصح الحديثين . وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه . قال أبو داود : وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه - : ومنعوه سهمه . قال أبو عمر : قال بعض رواة هذا الحديث : واضربوا عنقه وأحرقوا متاعه . وهذا الحديث يدور على صالح ابن محمد وليس ممن يحتج به . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) وهو ينفي القتل في الغلول . وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع ) . وهذا يعارض حديث صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الاسناد . والغال خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل . وقال الطحاوي : لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال ، كما قال في مانع

--> ( 1 ) في ه‍ وج‍ وب : لم يحرق رحل الذي أخذ الشملة . ( 2 ) صاحب الخرزات : رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لم يسمه أبو داود في سننه ) توفى يوم خيبر ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس لذلك ، فقال ( إن صاحبكم غل في سبيل الله " ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوى درهمين ( عن سنن أبي داود ) .